أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

39

نثر الدر في المحاضرات

وقال له معاوية : بلّغني عنك الثقة . فقال : إن الثقة لا يبلّغ . وعدّت على الأحنف سقطة ؛ وهو أن عمرو بن الأهتم دس إليه رجلا ليسفّهه . فقال : يا أبا بحر : من كان أبوك في قومه ؟ قال : كان من أوسطهم ، لم يسدهم ولم يتخلف عنهم . فرجع إليه ثانية ، ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو . فقال : ما كان مال أبيك ؟ قال : كانت له صرمة يمنح منها ، ويقري ولم يكن أهتم سلّاحا . وسمع رجلا يقول : التعلّم في الصّغر ، كالنقش على الحجر . فقال الأحنف الكبير أكبر عقلا ، ولكنه أشغل قلبا . ولما قدم على عمر في وفد أهل البصرة وأهل الكوفة فقضى حوائجهم قال الأحنف : إن أهل هذه الأمصار نزلوا على مثل حدقة البعير ، من العيون العذاب ، تأتيهم فواكههم لم تتغير ، وإنا نزلنا بأرض سبخة نشاشة ؛ طرف لها بالفلاة . وطرف بالبحر الأجاج يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النعامة ، فإن لم ترفع خسيستنا بعطاء تفضّلنا به على سائر الأمصار نهلك . قيل : لما أجمع معاوية على البيعة ليزيد جمع الخطباء فتكلموا - والأحنف ساكت - فقال : يا أبا بحر . ما منعك من الكلام ؟ قال : أنت أعلمنا بيزيد ليله ونهاره ، وسره ، وعلانيته ؛ فإن كنت تعلم أن الخلافة خير له فاستخلفه وإن كنت تعلم أنها شرّ له فلا تولّه الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة ؛ فإنما لك ما طاب ، وعلينا أن نقول : سمعنا وأطعنا . وقال الأحنف : المروءة كلّها إصلاح المال ، وبذله للحقوق . وكتب إليه الحسين عليه السلام : فقال للرسول : قد بلونا أبا حسن ، وآل أبي حسن ، فلم نجد عندهم إيالة للملك ، ولا مكيدة في الحرب . وقال لعليّ عليه السلام : إني قد عجمت الرجل ، وحلبت أشطره فوجدته قريب العقر ، كليل المدية . يعني أبا موسى الأشعري « 1 » .

--> ( 1 ) أبو موسى الأشعري : هو عبد اللّه بن قيس بن سليم ، أبو موسى ، من بني الأشعر ، من قحطان ، من -